الأمين العام المنتخب لمنظمة التعاون الإسلامي: أحمل رؤية استراتيجية لتعزيز ريادة المنظمة وتأثيرها إقليميا ودوليا

جمعة, 08/28/2026 - 10:54

أكد الأمين العام المنتخب لمنظمة التعاون الإسلامي، السيد إسماعيل ولد الشيخ أحمد، أن انتخابه لقيادة المنظمة يمثل تكليفا رفيعا وأمانة جسيمة، معربا عن تقديره للدول الأعضاء على الثقة التي منحتها له، ومتعهدا بالعمل بإخلاص وتجرد لتعزيز حضور المنظمة وتأثيرها وخدمة قضايا الأمة الإسلامية والدفاع عن مصالح شعوبها.

وأوضح في كلمة ألقاها عقب انتخابه في المؤتمر الطارئ لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، اليوم الخميس بجدة بالمملكة العربية السعودية، أن منظمة التعاون الإسلامي تمثل الإطار الجامع للعمل الإسلامي المشترك والمرجعية المؤسسية لقضايا الأمة، مؤكدا أنه يحمل رؤية استراتيجية متكاملة للسنوات الخمس المقبلة، من شأنها الارتقاء بأداء المنظمة وتعزيز حضورها ودورها، بما يجعلها منظمة أكثر ريادة وتأثيرا على المستويين الإقليمي والدولي.

وفيما يلي نص كلمة معالي الأمين العام المنتحب:

“أصحاب السمو والمعالي وزراء خارجية الدول الأعضاء،

أصحاب السعادة السفراء والمندوبين الدائمين،

السيدات والسادة،

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،

يشرفني أن أقف أمامكم اليوم، مقدرا الثقة التي أوليتموني إياها لقيادة منظمة التعاون الإسلامي، هذه المنظمة التي تمثل الإطار الجامع للعمل الإسلامي المشترك، والحاضنة المؤسسية لقضايا أمتنا، والمنبر الذي يعبر عن تطلعات شعوبها وآمالها.

وإنني، إذ أعرب لكم عن خالص الامتنان وعظيم الاعتزاز بهذه الثقة، فإنني أتلقى هذا التكليف بإحساس عميق بجسامة المسؤولية وثقل الأمانة. وفي هذه اللحظة الفارقة، لا أنصرف بفكري إلى شخصي المتواضع، بقدر ما أستحضر آمال ما يقارب ملياري مسلم ومسلمة، الذين يتطلعون إلى منظمة أكثر حضوراً، وأقوى تأثيراً، وأقدر على خدمة قضاياهم، والدفاع عن مصالحهم، والإسهام في بناء مستقبل يسوده الأمن والسلام في كنف الكرامة والوئام.

أصحاب السمو والمعالي والسعادة،

يطيب لي، في هذا المقام، أن أرفع إلى أصحاب الجلالة والفخامة والسمو، قادة دولنا الأعضاء، أسمى آيات التقدير والعرفان، لما أحاطوا به ترشيحي من دعم قوي ومؤازرة كريمة؛ وأتعهد أمامكم بأن أبذل كل ما في وسعي لأكون عند حسن ظنهم، وأن أعمل بإخلاص وتجرد، وفاء للمبادئ التي قامت عليها منظمتنا، وخدمة للأهداف النبيلة التي أنشئت من أجلها.

وإنه من واجب الوفاء أن أخص بخالص الشكر والتقدير فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، على ثقته الجليلة، وعلى مبادرته الكريمة بترشيحي لهذا المنصب الرفيع، وعلى ما أحاط به هذا الترشيح من رعاية سامية وإسناد سياسي حاسم ومتابعة دؤوبة؛ كما أتقدم، في هذا الإطار، بالشكر إلى أخي وزميلي معالي الدكتور محمد سالم ولد مرزوك، وإلى الحكومة والمنظومة الدبلوماسية الموريتانية، على ما بذلوه من جهود حثيثة ومخلصة طوال مسار الترشيح.

وأتوجه بوافر الشكر وعظيم الامتنان للمملكة العربية السعودية، دولة المقر، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لما قدمته المملكة، ممثلة هنا من طرف صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله آل سعود وطاقمه الكفء، لما قدمته من تأييد فاعل ومقدر لهذا الترشيح، وعلى دعمها المتواصل لمنظمتنا، ورعايتها الدائمة لمسيرة العمل الإسلامي المشترك.

وأود كذلك أن أعرب لسلفي، معالي السيد حسين إبراهيم طه، عن خالص تقديري، مشيدا بما بذله، طوال فترة ولايته، من جهود مخلصة في خدمة المنظمة وأهدافها النبيلة، ومتمنيا له موفور الصحة ودوام التوفيق، ومؤكدا حرصي على البناء على ما تحقق من مكتسبات، والمضي بها نحو آفاق أرحب .

كما أحيي جميع العاملين في الأمانة العامة وأجهزة المنظمة، متطلعا إلى العمل معهم بروح الفريق الواحد، خدمة للأهداف المشتركة التي تجمعنا.

أصحاب السمو والمعالي والسعادة،

إن منظمة التعاون الإسلامي، ثاني أكبر منظمة دولية بعد الأمم المتحدة، هي صوت الأمة وضميرها الحي ومرجعيتها المؤسسية؛ ولا تقاس مكانتها بعدد أعضائها فحسب، بل بسمو رسالتها الحضارية، ونبل المبادئ الإنسانية التي رسخها ديننا الإسلامي الحنيف، وما أثمره هديه القويم من حضارة أغنت مسيرة الإنسانية بعطائها الأخلاقي والعلمي والمعرفي؛ فضلا عما تزخر به دولنا وشعوبنا من طاقات واعدة ومقدرات هائلة.

فنحن نمثل ما يقارب ملياري نسمة، أغلبهم من الشباب، وتمتد دولنا عبر أربع قارات، وتتوفر على موارد بشرية وطبيعية واقتصادية هائلة، ويقارب ناتجها المحلي الإجمالي ثلاثين تريليون دولار أمريكي، أي ما يقارب ربع الاقتصاد العالمي. وهي معطيات تمنح منظمتنا مسؤولية كبيرة، كما تمنحها فرصة تاريخية لتعزيز دورها وتأثيرها.

وإذا كانت هذه المقومات تمنح منظمتنا أسباب القوة، فإن الرهان يكمن في حسن توظيفها في عالم يشهد تحولات عميقة؛ تتغير فيه موازين القوى، وتتسارع فيه التحولات التكنولوجية، ويتنامى أثر الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، فيما يواجه النظام متعدد الأطراف تحديات متزايدة، وهي متغيرات تفرض على دولنا استحقاقات جسيمة، بقدر ما تفتح أمامها آفاقا واعدة متى أحسنت الاستعداد لها.

ومن هنا، فإنني لا أنظر إلى المستقبل بمنطق التوجس، وإنما بمنطق الأمل ومن منظور الفرصة.

أصحاب السمو والمعالي والسعادة،

ستظل القضية الفلسطينية، بكل أبعادها السياسية والإنسانية والحضارية، القضية المركزية لمنظمتنا، وسيبقى الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، والدفاع عن حرمة القدس الشريف، التزاماً ثابتاً لا يتغير.

وسنعمل كذلك على تعزيز جهود المنظمة في مكافحة الإسلاموفوبيا ومواجهة خطاب الكراهية، وترسيخ قيم الحوار والاحترام المتبادل، وبناء شراكات أوسع مع المجتمع الدولي لإبراز الصورة الحقيقية لديننا الحنيف، القائم على الرحمة والعدل والتعايش.

وفي الوقت ذاته، فإن مستقبل أمتنا لن يصنعه الدفاع عن قضاياها وحده، وإنما يصنعه أيضاً الاستثمار في الإنسان؛ في شبابنا، وفي تعليمنا، وفي البحث العلمي، والابتكار، والاقتصاد المعرفي، والذكاء الاصطناعي، وتمكين المرأة، حتى يكون العالم الإسلامي شريكاً فاعلاً في صناعة مستقبل الإنسانية، لا مجرد متلقٍ لمتغيراته.

أصحاب السمو والمعالي والسعادة،

إنني أحمل معي معالم رؤية استراتيجية متكاملة للسنوات الخمس المقبلة، سأعرض تفاصيلها في الوقت المناسب عبر الآليات المؤسسية المختصة. أما اليوم، فأود أن أوجزها في فكرة واحدة: أريد لمنظمة التعاون الإسلامي أن تصبح منظمةً رائدةً ومؤثرة.

منظمة رائدة في أدائها، من خلال إدارة حديثة تقوم على الكفاءة والحوكمة الرشيدة والشفافية والابتكار، ورائدة في مبادراتها، بحيث تكون شريكاً في صياغة الحلول، لا مجرد متابع للأحداث، وقادرةً على استشراف التحديات وتحويلها إلى فرص.

منظمة مؤثرة في خدمة الدول الأعضاء، وفي الدفاع عن قضاياها، وفي تعزيز حضورها على الساحة الدولية، وفي بناء شراكات فاعلة مع مختلف المنظمات والمؤسسات الإقليمية والدولية، بما يعزز مكانة العالم الإسلامي ويسهم في ترسيخ الأمن والسلام والتنمية.

ولأن قناعتنا راسخة، بأن مفتاح كل ذلك هو الاستثمار في الإنسان: فسنولي عناية خاصة للتعليم والبحث العلمي، والابتكار، والاقتصاد المعرفي، والذكاء الاصطناعي، وتمكين الشباب والمرأة؛

ولن يتحقق هذا الطموح إلا بشراكة وثيقة بين الأمانة العامة والدول الأعضاء، قوامها الثقة والتشاور والمسؤولية المشتركة. كما أن نجاح المنظمة يظل رهيناً باستدامتها المالية، وهو ما يتطلب من الدول الأعضاء الوفاء بالالتزامات المالية، إلى جانب مسؤولية الأمانة العامة في ترشيد الإنفاق، وتنويع مصادر التمويل، وتطوير الأوقاف والشراكات، بما يعزز قدرة المنظمة على تنفيذ برامجها وتحقيق أهدافها.

أصحاب السمو والمعالي والسعادة،

إذا كان شعار الرؤية هو الريادة والتأثير، فإن عنوان المرحلة المقبلة سيكون الإصلاح والتطوير.

إصلاحٌ مؤسسي متدرج، يحافظ على ما تحقق، ويبني على نقاط القوة، ويعالج جوانب القصور بروح المسؤولية والإنصاف، بعيداً عن الارتجال. إصلاحٌ يجعل الكفاءة والاستحقاق والنزاهة والشفافية معايير ثابتة في الإدارة، ويعزز ثقافة الإنجاز والمساءلة، ويهيئ بيئة عمل تُقدّر الكفاءات، وتفتح المجال أمام المبادرة والإبداع.

وأؤكد لكم أن هذا الإصلاح لن يكون مشروع الأمين العام وحده، بل سيكون مشروعاً جماعياً، يقوم على التشاور الدائم مع الدول الأعضاء، والاستفادة من خبرات أجهزة المنظمة ومؤسساتها وموظفيها، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد، وإنما تصنعه الإرادة الجماعية.

وأتعهد أمام الله سبحانه وتعالى، ثم أمامكم، أن أبذل كل ما في وسعي لأكون أميناً على هذه المسؤولية، وأن أعمل بإخلاص وتجرد، وأن أضع كل ما اكتسبته من خبرة في خدمة هذه المنظمة، ملتزماً بمبادئها وميثاقها، ومسترشداً بتوجيهاتكم، ومنفتحاً على آرائكم ومقترحاتكم.

أصحاب السمو والمعالي والسعادة،

إن انتخابكم لي اليوم هو أعظم تكليف في مسيرتي المهنية، وأرفع وسام أناله بعد أكثر من ثلاثة عقود في الخدمة الدولية والاقليمية والوطنية. وإن اعتزازي العميق بهذه الثقة لا يفوقه إلا عزمي الصادق على أن أكون عند حسن ظنكم، وأن أثبت، بالفعل لا بالقول، أن اختياركم كان في محله.

وأنا على يقين بأن ما يجمع دولنا أكثر مما يفرقها، وأن وحدتنا هي مصدر قوتنا، وأن منظمتنا، بما تملكه من رصيد سياسي وحضاري وبشري واقتصادي، قادرة، بعون الله، ثم بإرادتكم، على أن تكون صوتاً مسموعاً للأمة الإسلامية، وشريكاً مؤثراً في بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً وازدهاراً.

أسأل الله العلي القدير أن يوفقنا جميعاً لما فيه خير أمتنا الإسلامية، وأن يسدد خطانا، ويبارك أعمالنا، ويعيننا على أداء هذه الأمانة. “وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ” صدق الله العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته”.