
محمد المختار ولد المصطفى ولد الطالب العالم، يُشكّل حضوره نصيبَنا نحنُ أبناءَ الهامش من الوظائفِ والفرص، لأنه حين بدأنا ممارسة الفعل السياسي ضمن مشروعٍ جامع، كان صوتُنا يرتفع بذكره، مطالبًا بإنصافه، لأن في إنصافه إنصافَنا، ولأنه حمل همَّنا وتبنّى قضاياَنا، فصرنا جزءًا من تطلعاته ورهانًا على عدالةٍ أوسع في نظره.فسعى ما وسعه السعي، مُصغيًا لمطالبنا، بل في كثيرٍ من الأحيان كان يسعى دون علمنا، يفتح الأفق أمام تطلعاتنا، ويُمهّد الطريق لأحلامنا، وكان في ذلك امتدادًا طبيعيًا لوعيه بقضايانا وإيمانه بعدالتها.
محمد المختار ولد المصطفى ولد الطالب العالم، نموذجٌ لرجلِ دولةٍ لا تُقاس خطواتُه بضجيج الحضور، بل بأثرها الهادئ العميق في بنية الدولة. رجلٌ ينظر إلى الوطن كنسيجٍ واحد، لا كجزرٍ متفرقة، ويؤمن أن النهوض لا يكون بجهةٍ أو شريحةٍ دون أخرى، ولا بفئةٍ على حساب أخرى، بل بمشروعٍ جامعٍ تتلاقى فيه الإرادات وتتكافأ فيه الفرص.لقد تميزت رؤيته بشموليةٍ نادرة، جعلت من جلب المنافع فعلًا ، ومن فتح الأبواب أمام الشباب سياسةً واعية، لا مجرد استجابة ظرفية. فكان حريصًا على أن يجد أبناءُ مختلف الشرائح والمجتمعات موطئ قدمٍ في واجهة الفعل، كفاعلين حقيقيين في مسار البناء.
وهنا تتجلى قيمة القيادة حين تتحول من توزيع أدوارٍ ضيقة إلى صناعة فضاءٍ مشترك يتسع للجميع.ولعلّ أبرز ما يميّز هذا النهج، تلك القدرة على تغليب النظرة العامة على ما سواها من اعتباراتٍ قبليةٍ أو جهوية. فحين تضيق الرؤية تتشظى المشاريع، وحين تتسع تُبنى الدول. وقد اختار أن ينحاز للاتساع، وأن يجعل من المصلحة الوطنية سقفًا أعلى، ومن العدالة ميزانًا لا يميل، وهي خصلة لا تُكتسب بالخطاب، بل تُثبتها المواقف حين تشتد المفاضلات.أما الوفاء بالعهد وصدق الحديث، فليسا في سيرته شعارين يُرفعان، بل سلوكٌ متجذرٌ ينعكس في كل تفصيل.
فكم من وعدٍ أوفى به دون ضجيج، وكم من موقفٍ صدق فيه دون مواربة، حتى غدا الثباتُ على الكلمة جزءًا من صورته في أذهان من عرفوه.وفي جوهر هذا المسار، كانت منفعة الناس هي الهدف الأسمى.
فالقيمة الحقيقية لأي عملٍ سياسي تكمن في أثره على حياة الناس: في فرصة عملٍ تُستحدث، في بابٍ يُفتح، في شعورٍ بالإنصاف يتسلل إلى القلوب بعد طول انتظار.
وهنا تحديدًا تتجلى إنسانية الفعل حين يقترن بالمسؤولية.ومن هذه المرتكزات جميعًا، تتشكل ملامح مشروعٍ سياسيٍّ متكامل، لا يقوم على ردود الأفعال، بل على رؤيةٍ واضحة المعالم، تؤمن بأن بناء الدولة الحديثة يبدأ من الإنسان، ومن إعادة الاعتبار للكفاءة، ومن تحرير العقليات من ضيق الانتماءات نحو رحابة الفكر والعمل المشترك، المؤمن بالإنسان كقيمةٍ مجردةٍ من الانتماءات الضيقة، في إطار المواطنة الجامعة.
محمد ولد محمد العبد